السيد ابن طاووس

83

إقبال الأعمال ( ط . ق )

فصل فيما نذكره مما يقرأ ويعمل من آداب السحور فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ بِإِسْنَادِنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي يَحْيَى الصَّنْعَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ صَامَ فَقَرَأَ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ سَحُورِهِ وَعِنْدَ إِفْطَارِهِ إِلَّا كَانَ فِيمَا بَيْنَهُمَا كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وأما آداب السحور فمنها أن يكون لك حال مع الله جل جلاله تعرف بها أنه يريد أنك تتسحر وبما ذا تتسحر ومقدار ما تتسحر به فذلك يكون من أعظم سعادتك حيث نقلك الله جل جلاله برحمته من معاملة شهوتك وطبيعتك إلى تدبيره جل جلاله في إرادتك ومنها أن لا يكون لك معرفة بهذه الحال ولا تصدق بها حتى تطلبها من باب الكرم والإفضال فلا تتسحر سحورا يثقلك عن تمام وظائف الأسحار وعن لطائف الطاعات في إقبال النهار فصل فيما نذكره من قصد الصيام بالسحور أقول فأما قصد الصائم في السحور فإن يكون مراده بذلك امتثال أمر الله جل جلاله بسحوره وشكر الله له على ما جعله أهلا له بتدبيره وأن يتقوى بذلك الطعام على مهام الصيام وأن يعبد الله تعالى بهذه المرادات لأنه جل جلاله أهل للعبادات فصل فيما نذكره من النية أول ليلة من شهر رمضان لصوم الشهر كله أو تعريف تجديد النية كل ليلة أقول إني وجدت في بعض الأخبار أن النية تكون أوائل أول ليلة من شهر رمضان وإذا كان الصوم نهارا فإن مقتضى الاستظهار أن تكون النية قبل ابتداء النهار لتكون في وجه الصوم وقبل أن تدخل بين النية وبين الدخول في الصوم شواغل الغفلة وسوء معاملات الأسرار ويكون القصد بنية الصوم أنك تعبد الله جل جلاله بصومك واجبا لأنه أهل للعبادة وتعتقد أنه من أعظم المنة عليك حيث جعلك الله أهلا لهذه السعادة سواء قصدت بالنية الواحدة صوم الشهر كله أو جددت كل يوم نية لصوم ذلك اليوم ليكون أبلغ لك في الظفر بفضله وأن تهيأ أن تكون نيتك أن تصوم عن كل ما شغل عن الله فذلك الصوم الذي تنافس المخلصون في مثله أقول واعلم أن الداخلين في الصيام على عدة أصناف وأقسام فصنف دخلوا في الصوم بمجرد ترك الأكل والشرب بالنهار وما يقتضي الإفطار في ظاهر الأخبار وما صامت جارحة من جوارحهم عن سوء آدابهم وفضائحهم فهؤلاء يكون صومهم على قدر هذه الحال صوم أهل الإهمال وصنف دخلوا في الصوم وحفظوا بعض جوارحهم عن سوء الآداب على مالك يوم الحساب فكانوا من [ في ] ذلك النهار مترددين بين الصوم بما حفظوه والإفطار بما ضيعوه وصنف دخلوا في الصوم بزيادة النوافل والدعوات التي يعملونها بمقتضى العادات وهي سقيمة لسقم النيات فحال أعمالهم على قدر إهمالهم وصنف دخلوا دار ضيافة الله جل جلاله في شهر الصيام والقلوب غافلة والهمم متكاسلة والجوارح متثاقلة فحالهم كحال من حمل هدايا إلى ملك ليعرضها عليه وهو كاره لحملها إليه وفيها عيوب تمنع من قبولها والإقبال عليه وصنف دخلوا في الصوم وأصلحوا ما يتعلق بالجوارح ولكن لم يحفظوا القلب من الخطرات الشاغلة عن العمل الصالح فهم كعامل دخل على سلطانه وقد أصلح رعيته بلسانه وأهمل ما يتعلق بإصلاح شأنه فهو مسؤول عن تقديم إصلاح الرعية على إصلاح ذاته وكيف أخر مقدما وقدم مؤخرا وخاطر مع المطلع على إرادته وصنف دخلوا في الصيام بطهارة العقول والقلوب على أقدام [ قدر ] المراقبة لعلام الغيوب حافظين ما استحفظهم إياه فحالهم حال عبد تشرف برضا مولاه وصنف ما قنعوا لله جل جلاله بحفظ العقول والقلوب والجوارح عن الذنوب والعيوب والقبائح حتى شغلوها بما وفقهم له من عمل راجح صالح فهؤلاء